السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
327
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الجماعة ، ومن هنا يظهر أن قوله : « ثُمَّ رُدُّوا » ليس من قبيل الالتفات من الخطاب السابق إلى الغيبة . قوله تعالى : أَلا لَهُ الْحُكْمُ الخ ؛ لما بيّن تعالى اختصاصه بمفاتح الغيب وعلمه بالكتاب المبين الذي فيه كل شيء ، وتدبيره لأمر خلقه من لدن وجدوا إلى أن يرجعوا إليه تبين أن الحكم إليه لا إلى غيره ، وهو الذي ذكره فيما مر من قوله : « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ » أعلن نتيجة بيانه فقال « أَلا لَهُ الْحُكْمُ » ليكون منبها لهم مما غفلوا عنه . وكذلك قوله : « وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ » نتيجة أخرى لسابق البيان فإنه تبين به أنه تعالى لا يؤخر حساب أعمال الناس عن الوقت الصالح له ، وإنما يتأخر ما يتأخر ليدرك الأجل الذي أجل له . قوله تعالى : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ إلى آخر الآية ؛ كأن المراد بالتنجية من ظلمات البر والبحر هو التخليص من الشدائد التي يبتلى بها الإنسان في خلال الأسفار إذا ضرب في الأرض أو ركب البحر كالبرد الشديد والأمطار والثلوج وقطاع الطريق والطوفان ونحو ذلك ، وأشق ما يكون ذلك على الإنسان في الظلمات من ليل أو سحاب أو ريح تثير عجاج الأرض فيزيد في اضطراب الإنسان وحيرته وضلالة طريق الاحتيال لدفعه ، ولذلك علقت التنجية على الظلمات ، وكان أصل المعنى الاستفهام عمن ينجّي الإنسان من الشدائد التي يبتلى بها في أسفاره في البر والبحر فأضيفت الشدائد إلى البر والبحر بعناية الظرفية ثم أضيفت إلى ظلمات البر والبحر لأن للظلمات تأثيرا تاما في تشديد هذه المكاره ، ثم حذفت الشدائد وأقيمت الظلمات مقامها فعلقت التنجية عليها فقيل : ينجيكم من ظلمات البر والبحر . وإنما خصت الظلمات بالذكر وإن كان المنجي من كل مكروه وغم هو اللّه سبحانه كما يذكره في الآية التالية لأن أسفار البر والبحر معروف عند الإنسان بالعناء والوعثاء والكريهة .